مجد الدين ابن الأثير
113
المختار من مناقب الأخيار
وقال عبد الملك بن عمير : حدثني رجل من ثقيف أن عليّا رضي اللّه عنه استعمله على عكبرى . قال : ولم يكن السواد يسكنه المصلّون ، فقال لي بين أيديهم لتستوفي خراجهم ولا يجدون فيك رخصة ، ولا يجدون فيك ضعفا . ثم قال لي : إذا كان عند الظهر فرح إليّ . فرحت إليه فلم أجد عليه حاجبا يحجبني دونه ، ووجدته جالسا وعنده قدح وكوز فيه ماء ، فدعا بطينة ، فقلت في نفسي : لقد أمنني حتى يخرج إليّ جوهرا ، ولا أدري ما فيها ، وإذا عليها خاتم ، فكسر الخاتم فإذا فيها سويق ، فأخرج منه فصبّ في القدح ، وصبّ عليه ماء فشرب وسقاني ، فلم أصبر أن قلت له : يا أمير المؤمنين ، أتصنع هذا بالعراق وطعام العراق أكثر من ذلك ؟ ! فقال : أما واللّه ما أختم عليه بخلا عليه ولكني أبتاع قدر ما يكفيني ، فأخاف أن يفنى فيوضع فيه من غيره ، فإنما حفظي لذلك ، وأكره أن أدخل بطني إلا طيّبا ، وإني لم أستطع أن أقول لك إلا الذي قلت لك بين أيديهم ، إنهم قوم خدع ، ولكني آمرك الآن بما تأخذهم به ، فإن أنت فعلت وإلا أخذك اللّه به دوني ، فإن يبلغني عنك خلاف ما أمرتك عزلتك ؛ ولا تبيعنّ لهم رزقا يأكلونه ولا كسوة شتاء ولا صيف ، ولا تضربنّ رجلا منهم سوطا في طلب درهم ، ولا تقبّحه في طلب درهم ، فإنا لم نؤمر بذلك ، ولا تبتغي « 1 » لهم دابّة يعملون عليها . إنا أمرنا أن نأخذ منهم العفو . قلت : إذا أجيئك كما ذهبت . قال : وإن فعلت . فذهبت فتتبّعت ما أمرني به ، فرجعت واللّه ما بقي عليّ درهم واحد إلّا وفّيته « 2 » . وقال الشعبي : وجد عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه درعه عند رجل نصراني ، فأقبل به إلى شريح يخاصمه ، قال : فجاء عليّ حتى جلس إلى جنب شريح فقال : يا شريح ، لو كان خصمي مسلما ما جلست إلا معه ، ولكنّه نصراني ، وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا كنتم وإيّاهم في طريق
--> ( 1 ) كذا بإشباع الكسرة ياء . ( 2 ) أخرجه ابن عساكر ( المختصر 18 / 63 ، 64 ) .